التخطي إلى المحتوى الرئيسي

 

التفاوض والحرب: رؤية صحفي شاب في زمنٍ مضطرب

 أحمد زيدان قرموط – صحفي وطالب إعلام

لطالما آمنتُ أنّ الإنسان حين يجد نفسه أمام مفترق طرق يحتّم عليه اختيارَ لغة القوة أو لغة الحوار، يكشفُ عمق خياراته وقيمه وانعكاسات تجاربه. بالنسبة لي كصحفيٍ شابٍ يعيش في زمن يعجُّ بالنزاعات ويسيل فيه دم الأبرياء على صفحات الأخبار، تبدو الحرب خيارًا كريهًا، حتى لو حاول البعض تجميلها بشعارات الوطنية أو الاستبسال. ومع ذلك، يُعلّمنا الواقع أن التفاوض في حدّ ذاته ليس ضعفًا، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية عميقة.

طوال مسيرتي الإعلامية التي لا تزال في مهدها، داومتُ على طرح سؤالٍ واحدٍ في كل تغطية صحفية: ما الثمن الحقيقي للحرب؟ لقد رأيت  أشخاص فقدوا منازلهم وأحلامهم في لحظة واحدة، وسمعت حكايا مُرّة عن أطفالٍ يبحثون عن دفء عائلاتهم تحت الأنقاض. هذه المشاهد تزاحمت في ذاكرتي لتُرسّخ قناعة أن الحرب – مهما كانت ذرائعها – تترك ندوبًا لا تُمحى في أجساد الناجين قبل المدن المُدمَّرة. فهل يستحقُّ العالم كل هذا الدمار حين نجد في جعبتنا كلمةً يمكنُ التفوّهُ بها على طاولة التفاوض؟

لا أُنكر أن هناك لحظات تاريخية تفرض فيها الأحداث نفسها، وتصبح المقاومة أو الحرب ردّ الفعل الوحيد أمام ظلمٍ أو احتلالٍ أو انتهاكٍ. فالواقع قد يكون معقّدًا، ولكل حالة خصوصيتها السياسية والإنسانية. لكنّ كطالب إعلام أعتقد أنّ دورنا يكمن في إعادة الاعتبار لصوت العقل، وتمهيد الطرق الوعرة بالحقائق والحوارات قبل أن تُسقى التربة بدم الأبرياء، ويعني ذلك السعي وراء سردية تضع الإنسان في مقدّمة الاعتبارات، بحيث يكون الصحفي وسيطًا شجاعًا بين الضحية والمُتسبّب، ينقل الحقيقة دون تجميلٍ أو انحياز.

لا يقتصر الأمر على نقل الأخبار فحسب، بل يمتدّ إلى تبنّي قيم النقد البناء وطرح الأسئلة الصعبة التي قد يتجنبها السياسيون. نحن جيل الإعلام الجديد، علينا ألا نكتفي بتوثيق الحروب والدمار، بل نسعى لإضاءة الطرق التي تُفضي إلى حوارٍ جادّ والبحث عن حلول تجعل من المفاوضات أداة إنقاذ لا غطاءً للخديعة. وحين نفشل في دفع مسار التفاوض، ندرك حتمًا أن خسائر الحرب تفوق مكاسبها، إذ لا توجد طاولة مفاوضات تُعيد الروح لمن قضوا أو لمن أصبحوا في عداد المفقودين.

إنّ قناعتي الراسخة هي أنّ المستقبل المأمول يجب أن يتّكئ على ركائز السلام العادل، والسلام لا يمكنه أن يتواجد دون إرادة صادقة في الحوار. قد لا تأتي التغييرات الجذرية سريعًا، وقد يشكّك البعض في جدواها، لكن الاستمرار في الدعوة إليها وكشف الحقائق للناس هو رسالتنا الصحفية، فالتفاوض هو أرقى درجات القوة الإنسانية؛ قوةٌ تحقن الدماء وتحفظ الكرامة في زمن تلتهم فيه الحروب النفوس قبل الأوطان.

التوقيع:

أحمد زيدان قرموط

صحفي وطالب إعلام

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

  هذا الصباح من دير البلح.. بكاء وحزن خلال وداع وتشييع نحو 30 شهيدا ارتقوا فجر اليوم في عدة مجازر ارتكبها الاحتلال وسط قطاع غزة.