التخطي إلى المحتوى الرئيسي

 

غزة تختنق: الحصار يخنق المساعدات والاقتصاد ينهار وسط حرب الإبادة

غزة – مراسل خاص

في الوقت الذي تستمر فيه آلة الحرب الإسرائيلية في استهداف كلّ مظاهر الحياة في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، يواجه أكثر من مليوني إنسان في القطاع المحاصر خطر المجاعة والانهيار الاقتصادي الكامل، وسط منع ممنهج لدخول المساعدات الإنسانية وتدمير ممنهج للبنية التحتية، وفق ما تؤكده تقارير أممية وحقوقية.


معابر مغلقة وممرات خانقة

منذ اندلاع العدوان الأخير، أُغلقت جميع معابر قطاع غزة بشكل شبه كامل.

معبر كرم أبو سالم، المنفذ التجاري الوحيد، أغلق تمامًا أمام البضائع والوقود، فيما يُفتح بشكل رمزي ومتقطع لإدخال كميات ضئيلة لا تكفي لسدّ رمق السكان، وفق تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) الصادر في مايو 2025.


أما معبر رفح، فقد تحوّل إلى شريان حياة يتحكم فيه المزاج السياسي والضغوط الدولية. ومع القدرة المحدودة له، لم تدخل إلا عشرات الشاحنات أسبوعيًا، بينما الحاجة اليومية تتجاوز 500 شاحنة، حسب بيانات برنامج الأغذية العالمي (WFP).

معبر بيت حانون (إيريز)، المخصّص لحالات العلاج، توقف عن استقبال المرضى باستثناء حالات نادرة، وسط اتهامات للجانب الإسرائيلي بتعطيل منظّم لعمليات الإجلاء الطبي.


القطاع الصحي على حافة الانهيار

مستشفيات غزة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، تعمل بأقل من 30% من طاقتها. نحو 13 مستشفى فقط لا تزال تقدم خدمات جزئية، وغالبيتها تعتمد على مولدات تعمل لعدد محدود من الساعات يوميًا بفعل نفاد الوقود.


“المرضى يموتون لأننا لا نملك أكياس دم أو حتى شاشًا معقمًا”، يقول د. سامي أبو ندى، مدير مستشفى الشفاء، في حديث لوكالات دولية.


معاناة الجرحى لا تقف عند نقص الدواء، بل تمتدّ إلى رفض تحويلهم إلى الخارج للعلاج، وافتقاد القطاع لأبسط متطلبات الرعاية الأولية، خصوصًا لمرضى السرطان والفشل الكلوي، ما يفاقم الكارثة الطبية.


مجاعة معلنة ومساعدات محاصرة

تُقدّر الأمم المتحدة أن 92% من السكان غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الغذائية الأساسية. تشير بيانات IPC (التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي) إلى أنّ غزة تدخل رسميًا مرحلة "الطوارئ الغذائية (المرحلة الرابعة)"، وهي خطوة تسبق المجاعة التامة.


وفقًا لبرنامج الأغذية العالمي:


“الوضع في غزة ليس مجاعة قادمة… بل مجاعة جارية”، – بيان رسمي، مايو 2025.


يؤكد البرنامج أن أكثر من 1.97 مليون شخص (85% من السكان) يعيشون في ظروف نزوح داخلي أو ملاجئ مكتظة تفتقر للماء والطعام والخصوصية.


اقتصاد مُستباح: المصانع مغلقة، الأراضي مدمّرة

قبل الحرب، كانت غزة تعاني من بطالة تقارب 45%. اليوم، ومع تدمير المصانع، الحقول الزراعية، ومحطات الوقود، وصلت تقديرات غير رسمية إلى أن البطالة تخطت حاجز 70%.


“لا يوجد اقتصاد. فقط رماد”، يقول رجل أعمال غزي رفض ذكر اسمه خوفًا من استهداف منشأته.


قطاع البناء، الذي كان يعوَّل عليه في إعادة الإعمار، أصيب بالشلل التام. لا إسمنت، لا حديد، لا عمال. والنتيجة: آلاف العائلات بلا مأوى، ومشاريع الأمم المتحدة للإعمار معلّقة إلى أجل غير مسمى.


المصارف توقفت، والمساعدات النقدية محجوبة

في ظل الحصار المالي، يشهد القطاع أزمة سيولة خانقة. توقفت الحوالات المالية، وتُعاني البنوك من شلل شبه كامل، فيما تعجز المؤسسات الدولية عن إيصال المساعدات النقدية.


تقرير البنك الدولي الأخير (مايو 2025) وصف الحالة المالية لغزة بأنها:

“انكماش اقتصادي غير مسبوق في تاريخ النزاعات الحديثة”.

المخاطر تمتد للنساء والأطفال وكبار السن

النساء، وفق جمعية الدراسات النسوية في غزة، أصبحن معيلات لـ14 ألف أسرة فقدت معيلها منذ بداية الحرب، فيما تشير بيانات اليونيسف إلى أن الأطفال يواجهون خطر سوء التغذية الحاد، والانقطاع الكلّي عن التعليم.


السيناريو القادم: انهيار شامل؟

خبراء أمميون حذّروا من أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يُفضي إلى كارثة إنسانية غير قابلة للاحتواء.


“نحن أمام أكبر انهيار اقتصادي وإنساني في منطقة مكتظة بالسكان منذ عقود”، وفق تقرير مشترك صادر عن OCHA وWFP وWHO في 16 مايو 2025.


مطالب إنقاذ عاجلة: المجتمع الدولي أمام اختبار

مع تزايد الأصوات المطالبة بوقف الحرب، تدعو منظمات أممية إلى:

فتح المعابر فورًا وبلا قيود.

ضمان ممرات آمنة لتوزيع المساعدات.

إدخال فرق طبية ومستلزمات إنقاذ.

إعادة تشغيل محطات الطاقة والماء.

تمويل عاجل لخطة إعادة إعمار متعددة السنوات.

فرض رقابة أممية على توزيع المساعدات ومنع سرقتها أو تسييسها.


ختامًا

قطاع غزة اليوم ليس فقط في قلب حرب عسكرية، بل يعيش حربًا اقتصادية وإنسانية متعددة الأوجه. وبينما تتعالى أصوات الاستغاثة من داخل المخيمات والمدن المدمّرة، يبقى الرهان على تحرّك دولي فوري يوقف آلة التجويع ويعيد الحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية لمليونَي إنسان يقاتلون من أجل الحياة.


📎 مصادر التقرير:

OCHA Gaza Emergency Reports 

UNRWA Situation Updates 

WHO Gaza Health Crisis Brief 

WFP Emergency Bulletin on Gaza 

World Bank Palestine Economic Monitoring Report  

IPC Gaza Food Security Analysis  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

  هذا الصباح من دير البلح.. بكاء وحزن خلال وداع وتشييع نحو 30 شهيدا ارتقوا فجر اليوم في عدة مجازر ارتكبها الاحتلال وسط قطاع غزة.
  التفاوض والحرب: رؤية صحفي شاب في زمنٍ مضطرب  أحمد زيدان قرموط – صحفي وطالب إعلام لطالما آمنتُ أنّ الإنسان حين يجد نفسه أمام مفترق طرق يحتّم عليه اختيارَ لغة القوة أو لغة الحوار، يكشفُ عمق خياراته وقيمه وانعكاسات تجاربه. بالنسبة لي كصحفيٍ شابٍ يعيش في زمن يعجُّ بالنزاعات ويسيل فيه دم الأبرياء على صفحات الأخبار، تبدو الحرب خيارًا كريهًا، حتى لو حاول البعض تجميلها بشعارات الوطنية أو الاستبسال. ومع ذلك، يُعلّمنا الواقع أن التفاوض في حدّ ذاته ليس ضعفًا، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية عميقة. طوال مسيرتي الإعلامية التي لا تزال في مهدها، داومتُ على طرح سؤالٍ واحدٍ في كل تغطية صحفية: ما الثمن الحقيقي للحرب؟ لقد رأيت  أشخاص فقدوا منازلهم وأحلامهم في لحظة واحدة، وسمعت حكايا مُرّة عن أطفالٍ يبحثون عن دفء عائلاتهم تحت الأنقاض. هذه المشاهد تزاحمت في ذاكرتي لتُرسّخ قناعة أن الحرب – مهما كانت ذرائعها – تترك ندوبًا لا تُمحى في أجساد الناجين قبل المدن المُدمَّرة. فهل يستحقُّ العالم كل هذا الدمار حين نجد في جعبتنا كلمةً يمكنُ التفوّهُ بها على طاولة التفاوض؟ لا أُنكر أن هناك لحظات تاريخية تفر...